محمد جواد مغنية

9

التفسير الكاشف

( بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) . قدمنا ان هذه السورة نزلت في العام التالي للفتح ، حيث عظم أمر الإسلام ، وانتشر في الجزيرة العربية كلها ، وكانت له الكلمة العليا ، ومع ذلك بقي للشرك جيوب في بعض قبائل العرب ، وكيلا تكون هذه الجيوب طابورا خامسا في المجتمع الاسلامي أمر اللَّه نبيه - في هذه السورة - أن يعلن البراءة من المشركين ، وبالأصح أن ينذر بالحرب كل مشرك يقيم في الجزيرة العربية ، حتى يقول : لا إله إلا اللَّه ، ويدخل فيما دخل فيه الناس . ويشمل هذا الانذار جميع المشركين ، حتى الذين عاهدهم النبي ( ص ) على الهدنة والمسالمة إلا في حال واحدة أشار إليها سبحانه بقوله : ( إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً ) ويأتي التفسير . ( فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ واعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وأَنَّ اللَّهً مُخْزِي الْكافِرِينَ ) . فسيحوا أي قولوا أيها المسلمون للمشركين : سيروا في الأرض آمنين طوال هذه المدة . . بعد إعلان الحرب على المشركين أمهلهم اللَّه سبحانه أربعة أشهر يتنقلون فيها آمنين ، حيث يشاؤن لا يمسهم أحد بسوء ، فإن أسلموا بعدها فقد سلموا ، وفازوا دنيا وآخرة ، وان أصروا على الشرك فجزاؤهم القتل في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة ، ولن يجدوا من ذلك مهربا . وتسأل : ان قتال المشرك ، حتى ينطق بكلمة التوحيد لا يتفق مع قوله تعالى في الآية 256 من سورة البقرة : « لا إِكْراهً فِي الدِّينِ » وقوله في الآية 99 من سورة يونس : « أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ » . . ان الإسلام دين السلم لا دين الحرب ؟ . الجواب : أجل ، ان الإسلام لا يكره أحدا على قول لا إله الا اللَّه ، وانما يدعو إليه بالحكمة والدليل : « وقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ - 29 الكهف » . ولكن قد تستدعي مصلحة المجتمع الاسلامي في ظروف خاصة ان لا يكون فيه مشركون ، لأنهم يسعون في الأرض فسادا . . وفي هذه الحال يجوز للمسلمين أن يكرهوا المشركين على النطق بكلمة التوحيد . . ومشركو الجزيرة العربية كانوا آنذاك طابورا خامسا في المجتمع الاسلامي الجديد . ومن أجل